يحيي بن حمزة العلوي اليمني

48

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

على ما وردت فيه ، ولا يجوز تعدّيه ونقله إلى غيره ، فلا يقال : سل الدار واسأل الجدار واسأل الشجرة ، إلّا بإذن من جهة اللغة يدل على جواز استعماله . المثال الثاني ، في مجاز الزيادة ، فإذا ورد المجاز في زيادة « ما » و « لا » في نحو قوله تعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] وقوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [ المائدة : 13 ] وزيادة « لا » في قوله تعالى : لِئَلَّا يَعْلَمَ [ الحديد : 29 ] وقوله تعالى : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ [ فصلت : 34 ] فيجب إقرار زيادتهما حيث وردتا ، ولا يجوز التعدّى إلى زيادة « لم » ولن من حروف النفي . المثال الثالث ، إذا استعير لفظ الأسد للرجل الشجاع ووجه الاستعارة بينهما المشاركة في معنى الشجاعة ، فيجب إقراره حيث ورد ، ولو جاز تعدّيه لجاز إطلاق اسم الأسد على الرجل الأبخر ، وهو المتغيّر الفم ، فلو كانت المشابهة كافية في حلّ الإطلاق لجاز ما ذكرناه ، فلمّا كان ممنوعا دلّ على ما قلناه من قصره حيث ورد ، وهكذا تحذّروا في إطلاق قولنا : « نخلة » في الرجل الطويل ، ولو جاز تعدّيه لجاز إطلاقها على الحبل من أجل طوله ، فلما تعذّر ذلك عرفنا أنه مقصور . فأما المجازات المركبة فالأقرب جواز تعدّيها إلى غير محالها التي وردت فيها ، فكما ورد قوله تعالى : أَخَذَتِ الْأَرْضُ [ يونس : 82 ] وأنبتت الأرض وغير ذلك ، ورد قولهم : تكاثرت أشواقى ، والتكاثر إنما يكون في الأمور المتحيزة ، وقولهم : أسقمنى فقدك ، وأحياني مشاهدتك والنظر إليك ، وهذا وارد في لسانهم كثيرا لا يمكن ضبطه في الرسائل والمواعظ والخطب ، ولابن نباته في مثل هذا اليد البيضاء كقوله : « إنما الموت حسام أزهق النفس ذبابه » . الحكم الخامس استعمال المجاز مخصوص بالألفاظ دون الأفعال كالقيام والقعود والصوم والهيئات فلا ترد فيها المجازات بحال ، وإذا كان مخصوصا بالألفاظ فهي منقسمة إلى الأسماء والأفعال والحروف ، فأمّا الحروف ، فلا مدخل للمجاز فيها ، لأن وضعها على أنها تدلّ على معان في غيرها فلا بدّ من اعتبار الغير في دلالتها ، ثم ذلك الغير إن كانت صالحة للدخول عليه كقولك زيد في الدار ، وعمرو من الكرام ، فهي حقيقة في استعمالها وإن كانت غير صالحة لما دخلت عليه كقولك من حرف جر ، ولم حرف نفى ، صارت مجازات لكن التجوّز إنما كان فيها من جهة تركيبها لا من جهة الإفراد ، والمنع إنما كان في حالة الإفراد لا في التركيب .